الوجه الآخر للمعاكسات والتحرش الجنسي بالمغرب: من الشارع إلى حافلات النقل
تنويه: يحتوي هذا المقال على مصطلحات وعبارات واقعية مُتداولة في الفضاء العام، أُوردت كما هي لأغراض التوثيق السوسيولوجي والتحليل الاجتماعي لظاهرة التحرش.
تخوض النساء في الفضاءات العامة بالمغرب معركة يومية صامتة لإثبات حقهن في التواجد الآمن. فبين الأزقة، الشوارع، ووسائل النقل العمومية، تتعدد صور الممارسات الذكورية التي تتراوح بين المعاكسة اللفظية السطحية والاعتداء الجسدي المباشر.
ورغم تباين آراء النساء حول هذه الظاهرة—بين من تراها امتداداً للتضييق الاجتماعي والثقافي الذي يحصر المرأة في قالب أنثوي لتفرغ فيه المكبوتات، وبين من تطور لديهن سلوك دفاعي للتعايش مع اليومي—إلا أن المتفق عليه هو أن هذه الممارسات تشكل اقتحاماً سافراً لخصوصية المرأة وكرامتها.
تصنيف مستويات التحرش في الشارع المغربي
تتدرج ممارسات المعاكسة والتحرش في الثقافة الشعبية المغربية ضمن مستويات ومصطلحات تعبر كل منها عن درجة خطورة الفعل ومدى مساسه بكرامة الضحية:
1. "النَّكَان" (التحرش اللفظي المغلف باللطف)
يُشتق هذا المصطلح من اللفظة الدارجة "الدَّقَّان" (أي طرق الباب)، وتُقال عبارة "فلان نَكْ عليا" للإشارة إلى محاولة فتح حديث أو خطب ود امرأة في الشارع، العمل، أو وسائل النقل.
- طبيعته: تحرش لفظي غير مباشر، يلجأ فيه الرجل لطرق غير عنيفة لقطع الحواجز.
-
نماذج من عباراته:
- "هزي راسك.. راه ما بقاوش الفلوس كايطيحو"
- "الزين والثباتة تلاقاو فسباتة"
- "ديال الزواج أختي"
- "الله يعطينا شي زينة بحالك تنوضنا للفجر"
- رد الفعل المستهدف: يعتمد هذا النوع على رد فعل المرأة؛ فابتسامتها أو التفتتها تُعتبر إشعاراً بقبول المحادثة، بينما استمرارها في تجاهل الأمر والنظر للأسفل يبعث برسالة عدم الرغبة، مما يدفع الكثيرين للتراجع.
2. "التَّلْوَاط" (التحرش اللفظي الصريح والجنسي)
يتجاوز هذا المستوى حدود محاولة التعارف اللطيف ليتحول إلى تحرش جنسي لفظي بامتياز. تعبر عنه النساء بعبارة "فلان تلوَّط عليا" أي تحرش بي بدافع إفراغ مكبوتات جنسية.
- طبيعته: سلوك تهكمي ومذموم لدى غالبية النساء، لا يراعي المشاعر، ولا يفرق بين امرأة متزوجة أو عازبة، أو محجبة وأخرى غير محجبة.
-
المظاهر والعبارات المتداولة:
- البصبصة والتلميحات: "فس فس"، "ما نشوفوكش آزين"، "الجلالب والقوالب".
- العبارات ذات الطابع الجنسي المباشر: "شي هاز اللحم وشي هاز الهم"، "كلك زبدة وما عرفت منين نبدا"، "اللحيمات عندك ديال القضبان".
- المطاردة المستمرة: لا يقتصر "التلواط" على الكلام السريع، بل يمتد للمطاردة سيراً على الأقدام أو باستخدام السيارات والدراجات النارية، وتكرار المحاولات لعدة أيام أو أسابيع.
3. "البَوَانْتَاج" (التحرش الجسدي والاعتداء الصامت)
يُعد "البوانتاج" أخطر درجات التحرش اللفظي والجسدي غير المحسوب، إذ ينتقل من مستوى العبارات إلى مستوى الاحتكاك المباشر بأجساد النساء في الفضاءات المكتظة.
تعريف الظاهرة: "البوانتاج" هو ممارسة جنسية أحادية الجانب، تعتمد على استغلال الازدحام لسرقة متعة جنسية رغماً عن الطرف الآخر دون رضاه.
تظهر هذه الظاهرة بشكل صارخ في:
- حافلات النقل العمومي ("الطوبيسات").
- الأسواق الشعبية والمواسم.
- تجمعات "الحلقة" والفضاءات المزدحمة.
"البوانتاج" في حافلات النقل العمومي: سلوك مرضي واعتداء صارخ
يترصد بعض المتحرشين النساء في محطات الحافلات، حيث يتم اختيار الضحية والتركيز على مناطق معينة من جسدها لتهييج الرغبات قبل الصعود.
- الترصد والالتصاق: يهرول المتحرش خلف الضحية أثناء الازدحام ليتموضع خلفها مباشرة.
- استغلال الازدحام: يستغل السائق التوقف الاضطراري أو التماوج داخل الحافلة للالتصاق التام بالضحية.
- الآثار النفسية: تتفاجأ العديد من النساء بعد نزولهن بوجود آثار لسوائل لزجة على ملا بسهن، مما يسبب لهن أزمات نفسية وصدمات واضطرابات في التعامل مع الفضاء العام.
آليات الدفاع والمواجهة: من الصمت إلى "دبوس الأمان"
أمام تكرار هذه الحوادث في غياب التضامن المجتمعي السريع داخل وسائل النقل، ابتكرت العديد من النساء—خاصة في المدن الكبرى كالدار البيضاء—أساليب خاصة للدفاع عن أنفسهن:
- دبابيس الإبر: تستعين بعض النساء بدبابيس خياطة حادة؛ بمجرد الشعور بجسم غريب يلتصق بهن من الخلف، يوجهن وخزة سريعة للمتحرش.
- الفضح العلني: في حال تكرار المحاولة، أصبحت الكثير من الفتيات يفضلن كسر حاجز الصمت والمواجهة الصوتية العلنية داخل الحافلة لفضح المعتدي أمام جميع الركاب.
ختاما:
إن الظواهر المتمثلة في "النكان"، "التلواط"، و"البوانتاج" ليست مجرد سلوكيات فردية عابرة، بل هي انعكاس لخلل عميق في تمثل الفضاء العام والنظرة إلى المرأة. ورغم التطورات القانونية التي جرمت التحرش الجنسي بالمغرب، إلا أن الحد من هذه الظاهرة يستوجب تظافر الجهود بين التوعية المجتمعية، صرامة تطبيق القانون، وتوفير وسائل نقل عمومية آمنة تحفظ كرامة الجميع.


